الخميس، 30 أكتوبر 2014
حبّة القمح
حبّة القمح
عثر بعض الأطفال في وادٍ صغير على شيء غريب الشكل أشبه ما يكون بحبّة قمح، ولكنّها في حجم بيضة الدجاج. وعبر عليهم أحد المسافرين، ورأى هذا الشيء الغريب، فاشتراه منهم، وأخذه وباعه إلى الملك كتحفة نادرة الوجود. فدعا الملك حكماء الدولة، وأخبرهم بما اشتراه، وطالبهم أن يعرفوا كنه هذا الشيء. أخذ الحكماء يتفحّصونه بدقّة، وبعد تفكير مليّ اتّضح للجميع أنّ هذا الشيء هو حبّة قمح، فذهبوا وأخبروا الملك بذلك. تعجّب الملك جدًّا، وأمر العلماء أن يجدوا أين ومتى يُزرع هذا القمح الكبير الحجم هكذا. أخذ العلماء يبحثون في كتبهم، لكنّهم لم يجدوا شيئًا بخصوصه، فقالوا له: "لا يمكننا أن نعطي جوابًا عن الأمر، إذ لا شيء ورد عنه في كتبنا. وما عليك إلاّ أن تسأل المزارعين، فربّما يكون واحد منهم قد سمع من آبائه أين ومتى يزرع هذا النوع من القمح". فأمر الملك بأن يحضر الفلاّحون الشيوخ ليقفوا أمامه، فحضر واحد منهم. دخل الفلاّح العجوز، وكان شاحبًا شحوب الموتى وقد فقد أسنانه، ويتحرّك متوكّئًا على عكّازين، مترنّحًا في مشيته. فأظهر له الملك حبّة القمح، ولكنّ الفلاّح لم يستطع رؤية الحبّة لضعف بصره، بل أخذها وصار يتحسّسها بيديه. فسأله الملك:
- هل يمكنك أن تدلّني أين تنمو مثل هذه الحبّة؟ هل اشتريت مثلها، أو زرعتها في حقلك؟
- وكان الفلاّح ضعيف السمع، وبالكاد يسمع ما يقوله الملك، وبعد أن فهم مضمون السؤال بصعوبة شديدة، أجاب: لم يحدث أنّي زرعت أو حصدت في حقلي شيئًا مثل هذا، ولا اشتريت مثله. وحينما كنّا نشتري القمح، كانت حبّاته كلّها صغيرة مثل تلك الموجودة الآن، ولكن يمكنك أن تسأل والدي، فربّما يكون قد سمع عن زراعة هذا النوع من القمح.
حينئذ أرسل الملك في طلب والد هذا الفلاّح، فأتى متوكّئًا على عكّاز واحد فقط. وسأله الملك: "هل يمكن أن تدلّني، أيّها الشيخ، أين يزرع مثل هذا النوع من القمح، وهل سبق لك أن اشتريت منه أو زرعته في حقلك؟". ورغم أنّ هذا الشيخ كان يسمع الملك بصعوبة، لكنّه سمع السؤال أفضل من ولده، فردّ قائلاً: "لا، لم أزرع مثل هذا القمح في حقلي. أمّا من جهة الشراء، فأنا لم أشترِ شيئًا من ذلك، لأنّه في زماننا لم تكن النقود مستعملة بعد، فكلّ واحد كان يزرع قمحه، وحينما كان أحدنا يحتاج إلى شيء منه كنّا نشارك بعضنا بعضًا في احتياجاتنا. كان القمح في أيّامنا أكبر من قمح الأيّام الحاضرة، وكذلك المحصول كان أوفر. ولكنّي سمعت والدي يقول إنّ في زمانه كان القمح ينمو أكبر ممّا في أيّامنا الآن. فما عليك إلاّ أن تسأله".
حينئذ أرسل الملك يستدعي والد هذا الفلاّح، فدخل ماشيًا بسهولة وبدون عكّاز أو عصًا، وعيناه تبرقان لامعتين، وسَمَعَه كان جيّدًا، وكان يتكلّم بوضوح وأسنانه كاملة لم يضع منها سنّ واحد. أراه الملك حبّة القمح، فنظر إليها متفحّصًا وهو يقلّبها بين يديه، ثمّ ردّ على الملك قائلاً:
- يا سلام، منذ زمان طويل لم أرَ مثل هذه القمحة الجيّدة. قال هذا وقضم بأسنانه القويّة قطعة منها وتذوّقها، ثمّ أضاف قائلاً: إنّها من النوع عينه الذي زرعته.
- أخبرني، يا جدّي، أين ومتى كان يُزرَع مثل هذا القمح؟ وهل اشتريت مثله من قبل أو زرعته في حقلك؟
- إنّ هذا القمح كان يُزرع في كلّ مكان في زماننا، وقد عشت على خبزه في أيّام شبابي وأطعمت أولادي منه.
- قلْ لي، يا جدّي، أين كان حقلك، وأين كنت تزرع قمحًا كهذا؟
- حقلي كان هو أرض الله، وحيثما كنت أحرث أرضًا، فهناك كان حقلي. كانت الأرض بلا ثمن. لم يكن أحد يدّعي أنّ شيئًا ما ملكه. العمل بعرق الجبين كان هو الشيء الوحيد الذي يمتلكه كلّ إنسان.
- ولكن، لماذا كانت الأرض تُخرج مثل هذا القمح، وكفّت عن ذلك الآن؟
- لأنّ الناس كفّوا عن أن يعيشوا بعمل أيديهم وبعرق جبينهم، بل صاروا يعتمدون على عمل الآخرين وعرق جبينهم. في القديم كان الناس يعيشون حسب ناموس الله. لقد كانوا يقتنون ما هو لهم، ولم يكونوا يحسدون الآخرين أبدًا على ما في أيديهم. كانت المحبّة تجمعنا، وأمّا الآن...
- آه، لقد فهمت، وأدركت الآن ما الفرق الواضح بينك وبين ابنك وحفيدك. إنّها الحياة بحسب ناموس الله، إنّها المحبّة.
اعداد دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطع
كتمان الخطايا
كتمان الخطايا
ذهب العامل يوسف إلى الكاهن واعترف بخطاياه يوم السبت، استعدادًا منه لتناول القرابين الإلهيّة في اليوم التالي.
وفي اليوم التالي حاول التناول من الأسرار الطاهرة، ولكنّه شعر بقوّة تمنعه، وتدفعه إلى الوراء. حاول مرّة ثانية، ولكنّ الفشل كان نصيبه. حاول ثالثة، ولكنّه شعر، أيضًا بمن يبعده عن الكأس المقدّسة. خاف يوسف كثيرًا، وعاد لا يجسر على الدنو للتناول.
وبعد أيّام عدّة، ظهر له القدّيس مكاريوس الكبير ، ووبّخه بقساوة قائلاً: "لماذا أخفيت الخطيئة الأخيرة التي فعلتها؟ ألا تعلم أنّ هناك ملاكين يجلسان عن يمين الكاهن ويساره، ويرفعان اعترافك وتوبتك إلى العرش الإلهيّ لتنال من لدن الله الغفران؟ فإن اعترفت بخطاياك كلّها تنل غفرانًا كاملاً، وإن أخفيت شيئًا، فرحت بك الشياطين وحزنت عليك الملائكة. فما عليك، إذًا، سوى أن تذهب ثانية إلى الكاهن وتعترف بزلاّتك".
أهمل يوسف وصيّة القدّيس خوفًا من فضح خطيئته وخجلاً من الكاهن. وفي الأسبوع التالي عزم على التناول، ولكن في الليلة السابقة للقدّاس الإلهيّ، ظهر له ثانية القدّيس مكاريوس، وقال له: "هل تريد أن تضيف إلى خطيئة عدم الاعتراف بخطاياك وكتمان أمرها خطيئةً أخرى بتناولك القدسات من دون استحقاق؟ اعلم أنّ جرمك سيكون أكبر، وتهاونك سيفضي بك إلى الهلاك".
تأثّر يوسف كثيرًا من هذه الأقوال، وخاف أن يخسر خلاصه وحياته الأبديّة، فقرّر أن يعترف. ولكنّ الأفكار بدأت تزعجه وتقول له: "ماذا سيقول عنك الكاهن؟ وما هي الفكرة السيّئة التي سيكوّنها عنك؟ لا تعترف، فخطيئتك ليست بهذه الجسامة، والناس كافّة يقعون بها، فهي أمر عاديّ جدًّا، فلا تهتمّ بها".
قضى يوسف أيّامًا صعبة يحارب بها أفكاره وتردّده، ولكنّ كلمات القدّيس كانت تطنّ في أذنيه، وكأنّها تحذّره وتهدّده. وفي الأسبوع الثالث ذهب إلى الكاهن، وجثا عند قدميه، واعترف بخطيئته بشجاعة ولكن بخجل وانسحاق، ثمّ تناول، بعد ذلك، الأسرار المُقدسة بفرح عظيم، ولم يشعر بمانع يمنعه عن ذلك.
ولكن لا بأس إن أخبرناكم بأنّ يوسف رأى، في الليلة عينها، في حلمه شخصًا منيرًا جدًّا يلبس قميصًا أحمر مزيَّن بصلبان بيض كثيرة، ويمسك بيده قضيب المُلك ويقول له: "لقد قبلتُ توبتك، فاستمرّ في الاعتراف بخطاياك جميعها عمرك كلّه، ولا تكتم أمرًا يخالف أيّة وصيّة صغيرة كانت أو كبيرة، حتّى تأتي إليّ في السماء"، ثمّ رسمه بالزيت المقدّس على شكل صليب، واختفى.
قام يوسف من نومه وقد شملته غبطة كبيرة، إذ رأى السيّد المسيح بنفسه. ومنذ ذلك اليوم، بدأ يهتمّ بالمداومة على سرّ الإعتراف وكشف خفاياه كلّها.
أحبّاءنا، إنّ أحضان الله مفتوحة دائمًا لكم مهما كانت خطاياكم كثيرة أو كبيرة، فانتهزوا الفرصة لتتخلّصوا منها عبر سرّ الاعتراف، ولا تؤجّلوا بسبب خجلكم أو وشوشات من لا يؤمن بهذا السرّ الرهيب الباطلة، والتي تحرمكم من بركات هذا السرّ الذي لا يمكن أن تخلُصوا من دونه.
إنّ أباكم يُحبّكم ويغفر لكم خطاياكم كلّها، ويساعدكم على رفض الخطيئة والتغلّب عليها. إنّكم باعترافكم تفضحون الشيطان وليس أنفسكم، فلا تؤجّلوا توبتكم. نعم، الأيّام تمرّ بسرعة، والعمر ينقضي، فلا تؤجّلوا توبتكم.
اعداد دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطع —
مسامحة الاهانة
(للقديس يوحنا الذهبي الفم)
نقلها إلى العربية المطوب الذكر المطران ابيفانيوس زائد
“إنكم إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضاً لا يغفر لكم زلاتكم” (متى6: 14). إنّ طَلَب السيد يسوع المسيح مزدوج: أن نشعر بزلاتنا، وأن نسامح الآخرين. فمعرفة الإنسان بخطيئته ضرورية ليسهُل عليه مسامحة سواه، لأنه بنظره إلى خطيئته الخاصّة يسامح القريب إن سقط. يجب أن نسامح الآخرين ليس بالقول بل بالفعل ومن القلب حتى لا نحوّل السيف إلينا بواسطة الحقد. فالذي يهيننا لا يسبّب لنا الضرر بقدر ما نسبّبه لأنفسنا باندفاعنا إلى الغضب وتعريض ذواتنا للدينونة من الله. فإذا أحببنا الذين يهينوننا فإن شرَّهم يقع على رؤوسهم ويعانون الآلام بسبب هذا، وبالعكس إذا غضبنا نعاني الآلام وحدنا.
لذلك، لا تقلْ إن فلاناً أهانَك وألحق بك شرّاً عظيماً. كلّما أكثرت الكلام، تبدّد بجلاءٍ إحسانَ عدوك إليك، لأنّه بتعديه يعطيك سبيلاً …للتخلّص من خطاياك. فبمقدار ما تكون الإهانة عظيمة تكون سبباً لتطهير نفسك من الأعمال غير المشروعة. فلا أحد يقدر أن يهيننا إذا أردنا، لأن ألدّ أعدائنا يقدّم لنا المنفعة بعداوته.
ولماذا نتكلم عن البشر؟ فإبليس يقدّم لنا الواسطة لنتمجّد أيضاً، كما رأينا هذا في أيوب المعذّب كثيراً، وإذا كان إبليس نفسه يسبّب لنا المجد، فلماذا نخاف العدو؟ لنوجّه انتباهنا إلى الخيرات التي نحصل عليها، إذا تحملّنا الإهانة بصبر. من لا تغضبه الإهانة، يفضّله مُحبوه. ومن يبتعد عن الغضب لا يكرهه مخالطوه. ومن لم يجرّب العداوة بنفسه لم يجرّب الحزن أيضاً. ومن لا يعادي القريب ليس له أعداء، ويحصل على رحمة الله. فإن أبغضنا الآخرين نُقاصِص أنفسنا. وإن أحببناهم نُحسنُ إلى أنفسنا. إذاً لا نضمر العداوة لأحد حتى نستحق محبة الله. وحتى إن كنا مدينين بوزنات عديدة يتحنن العلي ويرحمنا. وإن كنا خاطئين نحصل على تركِ خطايانا. وإن كنا أبراراً ندخل السماء بسهولة. هل أهانك القريب؟ تساهلْ معه ولا تضمر له البغض، اذرفْ الدموع وابكِ، لأنك لم تسخِط الله بل قريبَك. إنك بإحتمالِك الإهانة تعمل عملاً مبروراً، تذكّروا أن السيد المسيح لما كان ذاهباً ليموت على الصليب كان مسروراً وصلّى من أجل الذين صلبوه، فيجب على تابعيه أن يتشبّهوا به، لأن الإهانة الموجّهة إلينا تنفعنا، فلا ينبغي أن نحزن لأجلها. هل القريب افترى عليك أمام الآخرين؟ إنه بعمله هذا سبّب لنفسه القصاص وعرّض ذاته للمسؤولية، لا لأجل أعماله فحسب بل لأنه أدانك أيضاً. وإذا لم يقنعك هذا القول فتذكّر أنّ الشيطان نفسه قد افترى على الله وعلى البشر الذين خلقهم الله وأحبّهم كثيراً. إن ابن الله الوحيد نفسَه تحمّل الشتم والإهانة. ولذلك قال: “إذا كان ربّ البيت قد سمّوه بعلزبول فكيف بالأحرى أهل بيته” (متى25:10). والروح الشرير لم يشتم المسيح المخلّص فقط بل افترى عليه بجرائم عظيمة مسميّاً إياه مسكوناً ومرائياً وعدواً لله. أمّا القريب الذي أهانك أمام الجميع فقد ثلم شرفَه وشان عرضَه وأعدّ لك الأكاليل. فاحزنْ، إذاً، لأجل مَن أهانَك وافرحْ من أجل نفسك لأنك تمثّلت بالله الذي “يطلع شمسه على الأشرار والصالحين” (متى45:5). وإن كنت عاجزاً عن التشبّه بالله، وهذا لا يعسر على النشيطين الصالحين، فاقتدِ بيوسف العفيف الذي تحمّل المصائب الكثيرة من إخوته ثم أحسَنَ إليهم ولم يذكر سيئاتهم. انظر إلى موسى الذي رأى الله وكان يصلّي من أجل اليهود الذين سبّبوا له شروراً كثيرة. انظرْ إلى رسول الأمم الذي احتمل الإهانات والإضطهادات من اليهود ثم أراد أن يحمل عنهم اللعنة. اعتبر رئيس الشمامسة استيفانوس الذي رُجِم بالحجارة، ومع هذا فقد صلّى لمسامحة خطايا قاتليه.
فليتذكرْ كلٌّ منا هذا وليكفّ عن بغضه حتى يتركَ الله لنا ما علينا بنعمة سيدنا يسوع المسيح المحبّ البشر.
مسامحة الإهانات
أيقونة عذراء المديح
الجبل المقدس
دير ديونيسيو: أيقونة عذراء المديح
منقوشٌ على اللوح الفضي الذي على ظهر هذه الأيقونة:
الإمبراطور الكسيوس كومنينوس يعهد هذه الأيقونة إلى المغبوط ديونيسيوس، مؤسس الدير، لدى زيارة هذا الأخير تريبيزوند. هذه الأيقونة هي التي حملها البطريرك سيرجيوس حول أسوار مدينة القسطنطينية فصدت هجوم الفرس عام 626 م والتي جرى ترنيم المديح أمامها لأول مرة بعد الإنتصار.
وقصة الأيقونة هي التالية:
تعود هذه الأيقونة المقدسة إلى القرن السابع الميلادي. سنة 626 م نشبت حرب بين الروم والفرس. استطاع الفرس أن يتقدموا حتى مدينة خلقيدونية. طمع الآفار، وهم قوم من البرابرة، بالاشتراك في الحرب ضد الروم ظانين أنهم بهذا سيحصلون على غنائم جمّة. اندفعوا إلى أسوار المدينة المتملّكة، القسطنطينية. الإمبراطور هرقل، الذي كان متغيباً عن العاصمة بسبب انشغاله بالحرب، جعل البطريرك المسكوني سرجيوس وصيّاً على ابنه ونائبه في الحكم. بإذاء الخطر المحدق بالعاصمة، هبّ البطريرك بكل فصاحة وشجاعة يثير الهمم ويشدّد العزائم، ويدعو المحاصَرين إلى التوكل على الله ووالدته الفائقة القداسة بقوله لهم:
"تشجعوا يا اولادي فإن رجاءنا بالنجاة ملقىً على الله وحده ونحن رافعون إليه من كل قلوبنا ونفوسنا أيدينا وأبصارنا. هو الذي يبدّد المصائب والنكبات النازلة بنا ويدمّر مظالم أعدائنا". وأخذ البطريرك يطوف مع الشعب شوارع المدينة ويدور حول أسوارها، حاملاً أيقونة المخلّص وأيقونة والدة الإله المقدسة مناجياً وباكياً هكذا :"قم يا الله وليتبدد أعداؤك وليبيدوا كالدخان ويذوبوا كالشمع من أمام وجهك" ( مز67: 1 ). أصبح البطريرك على حسب تعبير أحد المعاصرين "خوذة العاصمة ودرعها وسيفها". ويقول فيه معاصر آخر: "إن البطريرك ما فتئ يواجه قوات الظلمة والفساد بأيقونتَي المخلّص والسيدة العذراء حتى زرع في قلوب الأعداء الرعب والخوف. فكانوا كلما عرض البطريرك من الأسوار أيقونة الشفيعة حامية العاصمة أعرضوا هم عن النظر إليها".
أتمّ زعيم الأعداء كل ما يلزم لتهيئة الهجوم. ملأ خليج القرن الذهبي بالسفن وحاصر الأسوار بالعساكر المشاة. ثم أمر بالهجوم على المدينة. ردّ الجنود المستعينون بالمخلّص ووالدته بشجاعة هجمات العدو الغادر. امتلأ ميدان القتال بجثث البرابرة، وفي الوقت عينه عصفت ريح عاتية جعلت البحر هائجاً مائجاً، الأمر الذي أدى إلى إغراق معظم سفن الأعداء وتحطّمها.
فتح شعب القسطنطينية أبواب المدينة وطارد البرابرة إلى معسكرهم. عند ذلك أحرق الأعداء جميع الآلات التي كانوا قد جاؤوا بها لتهديم أسوار المدينة وتقهقروا ومعهم الجيش الفارسي الذي مُني هو أيضاً بخسائر فادحة لمشاركته بالحملة.
أما الشعب المتعزي بمعونة والدة الإله السريعة الإجابة فرنّم أمام أيقونتها المقدّسة: "إني أنا عبدك يا والدة الإله أكتب لك رايات الغلبة يا جندية محامية وأقدّم لك الشكر كمنقذة من الشدائد لكن بما أن لك العزة التي لا تحارب أعتقيني من صنوف الشدائد حتى أصرخ إليك، افرحي يا عروسا لا عروس لها". وأحيى الليل كلّه واقفاً على الأقدام مصلياً ومرنّماً للشفيعة السماوية نشائد المديح والشكر.
تذكاراً لهذا الانتصار والانتصارات الأخرى الممنوحة بمساعدة والدة الإله حدّدت الكنيسة المقدسة عيد مديح والدة الإله الفائقة القداسة في يوم السبت من الأسبوع الخامس من الصوم الكبير كل سنة حين ترنّم خدمة مديح العذراء الفائقة النقاوة المسمّاة (أكاثيسطون) أي (التي لا يُجلوس فيها) لأن الشعب رتلّ هذه النشائد الشريفة في البدء واقفاً الليل بطوله.
كان يُحتفل بالمديح هذا في كنيسة البلاط الإمبراطورى حيث حُفظت أيقونة والدة الإله القائدة العجائبية مع ثوبها وزنّارها الشريفين وفي المكان الذي أقام الشعب الصلاة ساهراً ليلة هجوم الآفاريين والفرس على مدينة القسطنطينية. في القرن التاسع أُثبت هذا العيد في قوانين ديري سابا المتقدّس وستوديون، ومنهما انتقل إلى كتاب التريودي الذي يضم صلوات الصوم الأربعيني المقدس. وهكذا عّمالمديح الكنيسة الشرقية جمعاء.
اشتهرت هذه الأيقونة بجريان الميرون الذكي الرائحة منها. هي صغيرة الحجم وقاتمة لذلك فإن تمييز تفاصيلها صعب. الأيقونة موجودة في كنيسة على اسمها في دير ديونيسيو حيث يُتلى المديح يومياً. تعرضت للسرقة مرتين، المرة الأولى كانت سنة 1592 والمرة الثانية كانت سنة 1767 وفي المرتين اضطر سارقوها إلى إعادتها للدير.
في سنة 1592 هاجمت مجموعة من القراصنة دير القديس ديونيسيوس وسرقت الأيقونة المباركة ووضعتها في صندوق بعد تغطيتها بأغطية كثيرة وأبحرت مسرورة بما فعلت. وما إن ابتعدت السفينة عن الشاطئ حتى تتالت ظهورات والدة الإله لزعيم القراصنة قائلة له: "لماذا وضعتني في السجن أيها الرجل الشرير؟ أرجعني إلى مسكني الذي أقيم فيه بهدوء وسلام". ولمّا لم يبالِ الزعيم بكلامها، قامت عاصفة هوجاء مفاجئة وتهددت السفينة بالهلاك. فعاد الزعيم إلى نفسه وتذكر ظهور العذراء له فأسرع إلى الصندوق الذي وُضعت فيه الأيقونة فألفاه محطّما إلى قطع صغيرة والأيقونة مبللة بالميرون الطيب العرف مع الأغطية التي عليها. وما إن رفع الأيقونة بيديه المرتجفتين حتى سكنت الريح وهدأت العاصفة. للحال عاد اللصوص أدراجهم إلى الشاطئ وأرجعوا الأيقونة إلى الدير. هذه الحادثة دفعت العديد من القراصنة إلى التوبة والعودة إلى الله تاركين لصوصيتهم الأثيمة، فاعتمدوا وقد بقي قسم منهم في الدير وترهب.
أما في العام 1767، فقد سرقت عصابة من دالماتيا الأيقونة مجدداً، وفي طريق عودة العصابة إلى مقرّها، لاحظها بعض الرعاة اليونانيين فأخذوا منها الأيقونة ووضعوها في جزيرة سكوبوليس. رفض مشايخ القرية إعادة الإيقونة لرهبان دير الديونيسيو. وما إن مرّ ثلاثة أشهر عُوقبت المنطقة بوباء الطاعون، فأدرك السكان خطأهم وتابوا وأعادوا الأيقونة إلى الدير ووهبوه ميتوخيون في جزيرتهم.
الاِسْتِعْدَاد للمُنَاوَلَة
الاِسْتِعْدَاد للمُنَاوَلَة
“الَّذي يأكل (من هذا الخبز) ويشرب (من هذه الكأس) بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميِّزٍ جسد الرَّبّ” (1كو 11: 29).
المناولة جزء من القدّاس الإلهيّ. يأتي البعض إلى الكنيسة، إلى القدَّاس الإلهيّ، لكي يُتَمِّمُوا فقط واجباتهم الدِّينيَّة. لذلك، يضيف الرَّسول بولس: “ليمتَحِن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس” (1كور 11: 28). يُعَلِّق القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم على هذا بقوله: “يوصي الرَّسول بأن يتقدَّم الواحِد لتناول الأسرار بضمير نقيّ”. ماذا يعني ذلك؟
نقاوة القلب تأتي عن طريق التَّوبة والاِعتراف. لنتذكَّر قول القدِّيس اسحق السّريانيّ الشَّهير: “من يعترِفُ بخطاياه ويتوبُ عنها هو أهمّ ممَّن يُقِيمُ الموتى”. ولنذكر، أيضًا، ما يقوله الكاهن عند المناولة: “يُنَاوَلُ عبدالله (فلان) جسد ودم ربّنا يسوع المسيح لمغفرة خطاياه وحياة أبديَّة”.
“لمغفرة خطاياه” أي لشفائه جسدًا وروحًا، ولحياة أبديَّة للقاء الرَّبّ الَّذي هو الحياة الحقيقيَّة. أَمَا تَعْلَمُونَ من جهة أُخرَى أنَّ الجسد الَّذي نتناوله هو المسيح نفسه، المسيح القائم من بين الأموات والغالِب الموت. بهذا، كما يفسِّر آباؤنا نأخُذُ نعمةً خلاصِيَّة، والنِّعمة الإلهيَّة المُخَلِّصَة سيف ذو حدَّيْن: هي نورٌ للمُتَقَدِّم بندامة حقيقيَّة لاقتبالِهَا ونارٌ مُحْرِقَةٌ لغير المُستَحِقِّين أو المُتَهَامِلِين غير التَّائِبِين عن خطاياهم وزلَّاتِهِم. إذًا، كيف نستعِدُّ عملِيًّا للمناولة، أعني بصورة أوضح للاِشتراك بالقدّاس الإلهيّ والمناولة؟
أوّلاً، القدّاس الإلهي يسبقه صومٌ، صومٌ عن الطَّعام وصومٌ عن الفساد بكلّ أشكاله. آخَر الدَّواء الكَيّ بمعنى أنَّ العلاج النَّافِع للخطيئة هو الهرب منها. أمَّا الاِمتِنَاع عن الطَّعام فيعود إلى التَّقليد القديم: هو الحرص أنَّ باكورة الأطعمة في اليوم الجديد هو خبز الحياة أي جسد الرَّبّ.
تاليًا، مع الصَّوم يأتي الاِعتراف والتَّوبة، إذ لا بدَّ من مصالحةِ الإنسان مع نفسه ومع إخوته ومع الله قبل التَّقدُّم من القرابين المُقَدَّسَة.
أخيرًا وليس آخِرًا أقول:
أحبَّائي وأحبَّاء الرَّبّ يسوع المسيح تعالوا إلى الرَّبّ!
تعالوا إلى الكنيسة نهار الأحد باكِرًا! لا تغرَقُوا في اللَّهو، في السُّكْرِ والسَّهر الباطِل بعد نصف ليل السَّبت، هذا ليس من تقليدنا المسيحيّ القويم حتَّى ولو تعارَضَ مع الحضارة الاِستهلاكِيَّة الحاضِرَة. وأنت أيُّها الشَّاب كُنْ شجاعًا ولا تقنع بما تَهَيَّء لك من عادات مُغرِيَة لا تُوِلِّدُ إلَّا الفراغ، اِمْتَلِئ من الرَّبّ، من إنجيله ومن أفراحه، فوحده يستطيع أن يعطي معنى لحياتك جاعِلًا إيَّاك تنمو وتُثْمِر من أجل نفسك ومن أجل العالم.
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






