الجمعة، 24 يناير 2014


القديس العظيم في الشهداء ثيودوروس التيروني



هو المعروف في التراث الرومي بالقديس ثيودروروس التيروني أي المجنّد أو المجنّد حديثا، أو ، وفق بعض التفاسير، المنتمي إلى الفيلق الترياني الذي كان فريقا عسكريا نخبويا عُرف المجندون فيه بالاستقامة والجرأة. ونحن آثرنا إضافة صفة " الأوخاييطي" عليه نسبة إلى أوخاييطا البنطية التي ضمّت رفاته، على الأقل إلى القرن الحادي عشر. أما خبره فاستمددناه، بصورة أساسية، من عظة للقديس غريغوريوس النيصصي(330-394) ألقاها يوم زار ضريحه متبرِّكا في ناحية من نواحي البنطس لعلها أوخاييطا.

ليس موطن الشهيد معروفا. نعرف فقط انه كان مجندا في الجيس الروماني وان الفرقة التي انتمى إليها جاءت إلى أماسيا، في البنطس، لقضاء فصل الشتاء فيها. من أين جاء تماما؟ لا نعرف. أماسيا، في ذلك الزمان،
كانت من أبرز مدن البنطس. أما أوخاييطا، التي ارتبط اسم القديس بها، فتبعد عن أماسيا سفر يوم واحد، ولعلها أفخاط الحالية، شرقي البلدة التركية المسمّاة اليوم خورم. نقول هذا لأن أوخاييطا التاريخية التي في البنطس زالت ولم يعد هناك من دليل قاطع على مكانها، إلى الآن. القديس ثيودوروس لم يأت لا من أوخاييطا ولا من أماسيا. بعض الدارسين يظن انه جاء من سورية أو أرمينية.

زمانه

زمان القديس، أيضا، غير محدّد تماما. شهادة القديس غريغوريوس النيصصي، في شأنه، تفيد بأنه استشهد منذ ما يقرب من المائة عام من زمانه هو. وهذا ما يتراوح، في تقديرنا، بين العامين 275 وأوائل القرن الرابع الميلادي باعتبار انه ليس واضحا متى ألقي القديس غريغوريوس عظته. بعض المولعين بلغة الأرقام يجعل التاريخ السابع عشر من شباط سنة 306م.

خبره

ترافق ورود ثيودوروس إلى أماسيا و"حرب دموية اندلعت، فجأة، في الأمبراطورية" على المسيحيين. فقد صدر مرسوم آثم هاجم به الشيطان الله مباشرة، عبر الحكام، مخيِّرا المسيحيين بين نكران الله الحي والموت. لهذه المواجهة انبرى "جنديّنا الجديد". كان قد نشأ على التقوى وامتلأ من الرب يسوع المسيح، وكان دستور إيمانه مطبوعا على جبينه" رغم قلة خبرته في فن الحرب"، فبان رجلا كاملا في علم القديسين وممارسة الفضائل". لم يستسلم للخوف ولا شحُب لونه من مرأى المخاطر، ولا صمت جبنا ولا حيطة وحذرا.

وكما اجتمع هيرودوس وبيلاطس على الرب يسوع، اجتمع حامن أماسيا والمحكمة العسكرية على ثيوردوروس. فلما أوقفوه أمامهم سألوه:"من أين أتتك هذه الجسارة... لتجرؤ على رفض الإنصياع لأوامر الأمبراطور، فيما كان عليك ان تقبلها بمخافة ووقار وأنت على ركبتيك! لم لا تكرم الآلهة التي سُرَّ الأباطرة أن يكرمها خدامهم؟" فأجاب ثيودوروس بصوت واثق من دون ان تتغيّر مسحة وجهه: لست أعرف البتّة آلهة كثرا، ولم يكن هناك أبدا غير إله واحد. فأنتم في الضلال إذ تطلقون على الشياطين اسم الله، وهي أرواح خبيثة محتالة. أما أنا فإلهي يسوع المسيح، ابن الله الوحيد. فمن رغب في الضغط عليّ لحملي على هجر إيماني، فليعلم انه إن سعى إلى إجباري على ذلك بالسياط فله، بالأكثر، ان يمزّقني بمخالب من حديد وان يزيد على أدواته جمر النار، فلن ينتفع شيئا. وإذ ا ما نفر من كلامي فله لساني، ليقطعه، لأن جسدي سوف ينعم بالغبطة إن توجّع، في كل أعضائه، من أجل من خالقه.

على هذا المنوال أبطلت أقوال جنديّنا فخر الطغاة إذ رأوا شابا يشتاق إلى الشهادة وهو مستعد لاقتبال العذاب بممنونية، ناظرا إلى الموت كعصير طيّب من أجل يسوع.

ثم إذ وجد أحد الضبّاط الحاضرين في كلام ثيودوروس مادة للتهكّم، طرح عليه سؤالا وهو يبتسم بخباثة:"ماذا يا ثيودوروس، ألِلّه ولد؟ كيف ذلك؟ ألِلّه أولاد كالناس؟ ألَه شهوات كشهوات الناس ويعرف مثلهم توتّرات الجسد؟" "كلا!" أجاب ثيودوروس بنبرة قاطعة. "ليس الإله الذي أعبد عرضة للضعفات ولا لتوتّرات البشر النابية. صحيح انه أولد ابنا لكنه أولده على نحو إلهي، وإيلاده العجيب لابنه هو إلهي بالكلية. أما أنت، يا أيها المتهكم الخبيث، فكيف تجعل من إمراة إلهة؟ أما تخجل من عبادة إلهة تعاني ألام الطلق وتنجب آلهة أطفالا كما الأرنبة خرانقها والخنزيرة البرية خنانيصها؟" بهذا الجواب الفوري اللاذع أخرس القديس سخرية الضابط الوثني. غير ان المستبدين كظموا غيظهم وتكلفوا الظهور بمظهر التسامح. وإذ تصنّعوا الطيبة قالوا: خير لنا ان نعطي هذا الأحمق وقتا ليفكر عساه إذا ما أمعن النظر في ما هو فيه من ضلال يعود إلى جادة الصواب.

على هذا الرأي ترك القضاة ثيودوروس حرا لبعض الوقت وانصرفوا. وكان في أماسيا هيكل لأم الآلهة أقامه الوثنيون على ضفة النهر. هذا دخل القديس إليه وأشعل فيه نارا، فأتت النار على المكان برمته، في ساعات قليلة، واستحال رمادا. وضجّت المدينة! ماذا جرى! من الفاعل؟!

كان هذا جواب القديس لمحاكميه!

رفع ثيودوروس صوته عاليا:"أنا أحرقته!" لم يخطر بباله ان يتوارى، بل تباهى بعمل يديه كمن يستأهل عليه مجدا مخلّدا. وإذ اعترف بفعلته ولم ينكر أخذ يسخر من الوثنيين علنا مستهزئا بما كانوا يبدونه من أسف على خسارة هيكلهم وإلهتهم.

ثم ان القضاة أرسلوا فقبضوا عليه وأوقفوه أمامهم، فخاطبهم يثقة كاملة وحرّية ضمير ملفتة. بدا كأنه لا في موقع المجرم بل من له سلطان فأفحمهم بكلامه. وإذ رأى القضاة ان ثيودوروس لم يفقد شيئا من صلابته ولا بانت عليه علامات الخوف من التعذيب، بل استمر في الكلام بالثقة عينها التي أبداها أول أمره، عدّلوا من لهجتهم وحاولوا استمالته بالوعود والإطراء، عارضين عليه رتبة رئيس كهنة لديهم. فسخر منهم وقبّح عرضهم معتبرا كهنة الآلهة أشقى من في الأرض، ورؤساءهم مدعاة لا للشفقة بل للتقزّز. لذا نصحهم بألا يتعبوا عبثا بتقديم عروض تمجّها نفسه. وأردف انه خير لمن يريد ان يحيا في التقوى والبراءة ان يقضي زمانه مجهولا وان يكون صعلوكا في بيت إلهه من ان يقيم في قصور الخطأة.

كذلك أبدى القديس شفقة على الأباطرة لأنهم عميان اذ يظنّون انهم يزيدون تيجانهم بهاء ولباسهم الأرجواني رونقا إن تزيّوا بالزي الكئيب الذي يتزيّى به مقرّبو الذبائح. انهم لا يعون ان مثل هذه الوظيفة تحطّ من تقديرهم وانهم متى قاموا بها كانوا في موقع الطهاة، وهم الأباطرة، يقتلون الطيور ويطهونها، ويجوُّفون الحيوانات الميتة مستدعيه من الناس الإحتقار والإزدراء، وهم كالجزّارين ملطّخة بالدم أيديهم وأثوابهم. وأثارت أقوال القديس سخط القضاة فأمطروه شتما واتّهموه بالكفر والتمرّد، وأمروا به الجند فمدّدوه للتعذيب. وإذ أمعن جلاّدوه في تعذيبه لم يبدُ أية علامة من علامات الضعف بل أخذ يردد القول المزموري:"أبارك الرب في كل حين. تسبحته في فمي في كل آن"، حاسبا التعذيب واقعا على غيره لا عليه. بعد جولة التعذيب ألقاه الجلادون في السجن . هناك انبعثت من السجن الأناشيد السماوية ليالي بطولها ومشاعل لا عدّ لها أضاءت المكان. ولما أسرع الحرّاس إلى الداخل وجدوا الشهيد مرتاحا وبقية المساجين يغطّون في نوم عميق. أخيرا ساد صمت عميق وحلّت الظلمة دامسة.

بعد ذلك، لما رأى القضاة ان جهودهم لاستعادة ثيودوروس ذهبت هباء وان الوقت يزيده صلابة وثباتا ويزيدهم بإزائه إحباطا حكموا عليه بالموت حرقا. "وإذ تمت شهادته ترك لنا حياته مثالا وموته إكراما." وقد ورد في بعض المصادر القديمة كعظة خريسيبوس الكاهن الأورشليمي(+479) ان سيُّدة غنية اسمها أفسافيا أخذت رفاته وابتنت لها ضريحا. ولعل موضع هذا الضريح كان، مذ ذاك، اوخاييطا.



الشهيد والقمح المسلوق

هذا ويُحكى انه في العام 361م لما سعى الأمبراطور يوليانوس الجاحد إلى ردّ البلاد إلى الوثنية عمد، وقد لاحظ ان المؤمنين يقدّسون الأسبوع الأول من الصوم الكبير بالصلاة والصوم، إلى إعطاء الأوامر لحاكم مدينة القسطنطينية ان ينضح عمّاله المنتجات الغذائية في السوق بدم الذبائح المقدمة للأوثان. قصده ان ينجِّس المؤمنين في مأكلهم رغما عنهم ويثير في صفوفهم البلبال. لكن الله الذي لا يُشمخ عليه أوفد خادمة ثيودوروس الشهيد إلى أسقف القسطنطينية أفدوكسيوس فتراءى له وكشف لعينيه ما أضمره الطاغية في حق المسيحيين، ثم بأن يوعز إلى كل مسيحي بالامتناع عن شراء أي من المأكول المعروض في السوق وان يستعيض عنه بالقمح المسلوق. وهكذا كان. لذلك اعتادت الكنيسة، مذ ذاك، ان تحفظ ذكرى هذه الأعجوبة في السبت الأول من الصوم الكبير كل عام ليتعلم المؤمنون من خلالها ملازمة الصوم والإمساك فيتنقّوا من أدران الخطيئة وأدناسها.



شفاعة القديس

عندما تلفظ القديس غريغوريوس النيصصي بعظته على الشهيد الكبير، بدا كأن المكان، حول ضريحه، كان مكتظا بالناس الذين أتوا من المدن والمناطق النائية مكابدين مشاق سفر بعيد مضن، واجتمعوا إليه في عمق فصل الشتاء والوقت ثلوج وصقيع. كان صيت الشهيد قد ذاع في كل مكان. ففي السنة التي سبقت هذا المحفل ردّ، كمحام عن المسيحيين، هجمة البرابرة السكيثّيين لما تراءى لهم وفي يده الصليب المقدس ونشر الذعر في صفوفهم فارتدّوا على أعقابهم. وقد اعتاد الناس ان يجتمعوا حول ضريحه منذ استشهاده. وهو يعلم الكنيسة – على حد تعبير القديس النيصصي – ويطرد الشياطين ويستدعي ملائكة السلام ويشفع بالمؤمنين ويسأل من أجلهم ويحظى من الله بمطلبه لهم. كان ضريحه دواء لكل الأمراض وميناء للمضنوكين ومستودعا لا ينضب لقضاء حاجات المساكين ومضافة آمنة وخزانة للمسافرين الذين يأتون إليه بقوة التقوى، وبقعة يتواصل فيها الفرح والأعياد.

هذا وقد أضحت أوخاييطا، حيث استقرّت رفات القديس لقرون، محجّةيتوافد إليها المؤمنون من الشرق والغرب حتى دُعيي باسمه، مدينة ثيودوروس أو ثيودوروبوليس.



عجائبه

عجائب القديس الشهيد عبر العصور عديدة، نتوقف ههنا عند اثنتين منها لقيمتهما التاريخية: أولاها انه كانت للقديس ثيودوروس، في القرن الخامس للميلاد، كنيسة صغيرة في مدينة القسطنطينية. وقد شبّ فيها حريق هدّد قصرا مجاورا للقنصل سفوراكيوس . ثم فجأة، بقدرة إلهية، اختنق الحريق. ولما كان القنصل مكرِّما حارا للقديس الشهيد، فقد عمد إلى بناء كنيسة كبيرة جميلة عوض الصغيرة القديمة كان هذا سنة 452م .

والثانية ان الأمبراطور البيزنطي يوحنا الأول، المدعو الشمشيق، بعدما استجار بالقديس في حربه ضد العرب سنة 970م وتمكن منهم، عمد، تعبيرا عن شكره وامتنانه، إلى إعادة بناء كنيسة أوخاييطا على أفخم وأبدع ما يكون.



ثيودوروس: واحد أم اثنان؟

ثمة التباس بين قدّيسين باسم ثيودوروس يمتّان بصلة إلى أوخاييطا، المجند (التيروني) وآخر يُعرَّف ب "قائد الجيش". لا ذكر لوجود اثنين قبل القرن العاشر، وسيرتهما قريبة إحداها من الأخرى، الأمر الذي يحمل الدارسين على اعتبارهما واحدا. من هنا نزعة رسّامي الإيقونات إلى تصويرهما معا في بعض الأعياد.

أما في أوساطنا الانطاكية فلا نعرف، تراثيا، إلا ثيودوروس واحدا وإكرامه يرقى، فيما يبدو، إلى ما قبل القرن الثامن للميلاد. ونحن نشترك في إكرامه والإخوة الموارنة، لا سيما في شمالي لبنان: جبيل، البترون، زغرتا وسواها. ولنا في كفرحلدا البترونية، للقديس ثيودوروس، أثر يدل على وجود كنيسة كبيرة (بازيليكا) له فيها من القرن السابع للميلاد.

تعيد له كنيستنا الأرثوذكسية في السابع عشر من شهر شباط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق