الأربعاء، 12 مارس 2014

أيقونة القديس سيصوي الكبير أمام بقايا الإسكندر



 



أيقونة القديس سيصوي الكبير أمام بقايا الإسكندر

الأب انطوان ملكي

القديس سيصوي هو من آباء البرية في مصر. تعيّد له الكنيسة الأرثوذكسية في السادس من تموز. له عدة أيقونات يظهر فيها مبارِكاً القفر، أو مقيماً ابن أحد زواره، وأهمها تلك التي يظهر فيها متأمّلاً عظام الإسكندر الكبير وهي موضوع هذه الدراسة القصيرة.

نقرأ في الكتابة على الأيقونة: "سيصوي، الناسك العظيم، أمام قبر الإسكندر، ملك اليونان، الذي كان مغموراً بالمجد في وقت ما. منذهلاً، يندب تقلبات الزمن وزوال المجد، ويخطب بدموع هكذا: "إن مجرد رؤيتك أيها القبر، ترعبني وتدفع قلبي لذرف الدموع، فيما أتأمّل في الدَين الذي علينا نحن جميع البشر. كيف لي أن أحتمل ذلك؟ أواه، أيها الموت! من يستطيع أن ينجو منك؟"

نحن لا نعرف ما إذا كانت هذه الأيقونة تمثّل حدثاً تاريخياً محدداً. فالقديس عاش في القرن الرابع ميلادي. سيرته لا تذكر قصة هذه الأيقونة وبالتالي ليس لدينا رواية تاريخية لما يوصَف في الأيقونة. بدأ تصوير هذه الأيقونة للظهور أولاً في أديار اليونان بعد سقوط القسطنطينية في 1453.

لطالما كان انذهال القديس سيصوي أيقونة للتأمل لدى كل المسيحيين منذ القرن الخامس عشر، وبخاصة الرهبان. وقد انتشرت الأيقونة واكتسبت شعبية في مئات الكنائس والأديار في اليونان، من بين أكثرها شهرة دير الثالوث القدوس ودير برلعام في متيورا، ودير البار لوقا في ستييري.

الموقع الذي تظهر فيه هذه الأيقونة عادة في الكنيسة هو في مقابل الهيكل بالقرب من الباب الذي يخرج منه المؤمنون، حيث تظهر أيضاً أيقونة رقاد السيدة. ويشرح المهتمّون أنّه من الحكمة وضع هذه الأيقونة في هذا المكان حتّى يتأمّل المسيحيون في الموت عند خروجهم من الكنيسة.

ليس من الصدفة أنّ هذه الأيقونة اشتهرت كثيراً بعد سقوط القسطنطينية التي كانت عرش الإمبراطور الرومي منذ قسطنطين الكبير، والتي لطالما نظرت إلى الإسكندر الكبير على أنّه الحاكم النموذجي.

بالواقع، هذا كان تقليد كل الأباطرة الروميين. يذكر المؤرّخ ديون كاسيوس (155-235 بعد المسيح) أنه بعد أن زار أوغسطس قيصر جثمان الإسكندر في الإسكندرية، سؤل إذا كان يريد أن يزور قبور البطالمة حكّام مصر أيضاً، فرفض قائلاً: "جئت أزور ملكاً وليس رجالاً أموات". لقد اعتُبِر حكم الروم للعالم ميراثاً للأباطرة الروميين حصلوا عليه عبر الإسكندر.

ليس مستبعداً أن يكون تصوير القديس سيصوي ينوح على قبر الاسكندر حدثاً تاريخياً فقدناه بشكل وثيقة ولكنه باقٍ فقط في فن الأيقونة.

بشتّى الطرق، التقليد المحفوظ في الأيقونات هو على نفس القدر من الثقة تاريخياً كما النص المكتوب. كون القديس سيصوي عاصر زمن هدم قبر الإسكندر، فليس من الخطأ الاعتقاد بأن القديس، وهو من تلاميذ القديس أنطونيوس الكبير الحكماء الذين عاشوا خارج الإسكندرية، قد يكون علّق على هذا الموضوع أمام بعض تلاميذه أو زواره.

أما في حال لم تكن هذه اليقونة تمثّل حدثاً تاريخياً، فيدفعنا التحليل إلى الاعتقاد بأن نوح القديس سيصوي على الإسكندر هو نوح أيضاً على إيديولوجيا.

فلدى الروم، كلا الرجلين يلقّب بالكبير. وفي وقت ما، خلال الحكم الرومي الذي دام أكثر من ألفية ونصف، كان الإسكندر أيقونة الإمبراطورية، لكن مع ذهاب الإمبراطورية صار الروميون ينظرون إلى الرهبان على أنهم الأمل الوحيد للأرثوذكسية المعذّبة تحت النير العثماني.

من هنا أن هذا المشهد قد يعكس العقلية الرومية الأرثوذكسية خلال هذه الفترة، أي فترة ما بعد سقوط القسطنطينية. هذا ليس للقول بأن هذه العقلية لم توجد من قبل 1453، بل هي كانت دائماً جزءاً من التقليد المسيحي والرهباني، وهناك آباء عديدون تطرقوا إليها، يكفي ان نذكر منهم القديس سمعان اللاهوتي الحديث الذي عاش في زمانٍ كانت الإمبراطورية في عزها، ومع هذا رأى أن الرهبان هم خشبة خلاص الأرثوذكس.

من هنا يمكننا أن نستنتج معنى الأيقونة: القديس سيصوي يقف حياً فوق بقايا الإسكندر، متعلّماً الدرس العظيم حول تفاهة المجد العالمي، وخلاصة العِبرة: قد يكون المجد الرومي اختفى أما مُلك السماوات فيدوم إلى الأبد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق